صديق الحسيني القنوجي البخاري

40

فتح البيان في مقاصد القرآن

هذه الأعلمية التي كان حاصلها أن يهنأ من ظفر لأهل الجهل البسيط ، ويتمنى إنه في عدادهم وممن تدين بدينهم ويمشي على طريقتهم ، فإن هذا ينادي بأعلى صوت ويدل بأوضح دلالة على أن هذه الأعلمية التي طلبوها ؛ الجهل خير منها بكثير ، فما ظنك بعلم يقر صاحبه على نفسه أن الجهل خير منه ويتمنى عند البلوغ إلى غايته والوصول إلى نهايته ؛ أن يكون جاهلا به عاطلا عنه - ففي هذا عبرة للمعتبرين وآية بينة للناظرين ، فهلّا عملوا على جهل هذا المعارف التي دخلوا فيها بادىء بدء ؟ وسلموا من تبعاتها ، وأراحوا أنفسهم من تعبها ، وقالوا كما قال القائل : أرى الأمر يفضي إلى آخر * فصيّر آخره أولا وربحوا الخلوص من هذا التمني ، والسلامة من هذه التهنئة للعامة ؛ فإن العاقل لا يتمنى رتبة مثل رتبته أو دونها ، ولا يهنىء لمن هو مثله أو دونه ، بل لا يكون ذلك إلا لمن رتبته ، أرفع من رتبته ، ومكانه أعلى من مكانه ، فياللّه العجب ، من علم يكون الجهل البسيط أعلى رتبة منه ، وأفضل مقدارا بالنسبة إليه . وهل سمع السامعون بمثل هذه الغريبة ، ونقل الناقلون ما يماثلها أو يشابهها ، وإذا كان هذا حال هذه الطائفة التي قد عرفناك أنها أخف الطوائف تكلفا ، وأقلها تبعة فما ظنك بما عداها من الطوائف ، التي قد ظهر فساد مقاصدها ، وتبين بطلان مواردها ومصادرها ، كالطوائف التي أرادت بالمظاهر ، التي تظاهرت به ، كيد الإسلام وأهله ، والسعي في التشكيك فيه بإيراد الشبه ، وتقرير الأمور المفضية إلى القدح في الدين ، وتنفير أهله عنه . وعند هذا تعلم أن : خير الأمور والسالفات على الهدى * وشر الأمور المحدثات البدائع وأن الحق الذي لا شك فيه ، ولا شبهة ، هو ما كان عليه خير القرون ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم وقد كانوا رحمهم اللّه تعالى وأرشدنا إلى الاقتداء بهم ، والاهتداء بهديهم ، يمرون آيات الصفات على ظاهرها ، ولا يتكلفون علم ما لا يعلمون ، ولا يحرفون ولا يؤولون ، وهذا المعلوم من أقوالهم وأفعالهم ، والمتقرر من مذهبهم ، لا شك فيه شاك ولا ينكره منكر ولا يجادل فيه مجادل . وإن نزغ من بينهم نازغ أو نجم في عصرهم ناجم أوضحوا للناس أمره وبينوا لهم أنه على ضلالة ، وصرحوا بذلك في المجامع والمحافل : وحذروا الناس من بدعته ، كما كان منهم لما ظهر معبد الجهني وأصحابه ، وقالوا : إن الأمر أنف ، فتبرؤوا منه وبينوا ضلالته ؛ وبطلان مقالته للناس فحذروه إلا من ختم اللّه على قلبه ، وجعل على بصره غشاوة . وهكذا كان من بعدهم ، يوضح للناس بطلان أقوال أهل الضلال ، ويحذرهم